القاضي التنوخي
11
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
والآداب ، أكثر ممّا كان قديما أو مثله ، ولكن تقبّل أرباب تلك الدول [ 4 ط ] للأدب أظهره ونشره « 1 » ، وزهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره وستره ، ولهذه الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول ، وردّت أخبار هؤلاء الملوك ، وخلت التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت ، لأنّ ذوي الفضل لا يفنون أعمارهم بتشييد مفاخر غيرهم ، وإنفاق نتائج خواطرهم ، مع بعدهم عن الفائدة ، وخلوّهم من العائدة ، وأكثر الملوك وذوي الأحوال ، والرؤساء وأرباب الأموال ، لا يجودون عليهم فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار والخطب ، وحوك الرسائل والكتب التي تبقى فيها المآثر ، ما أقام الدهر الغابر ، فقد بخل هؤلاء ، وغفل هؤلاء ، ورضي كلّ واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده ، والنقص فيما يعتمده ، وإلَّا فقد خرج في أعمارنا وما قاربها من السنين ، من مكنون أسرار العلم ، وظهر من دقيق الخواطر والفهم ، ما لعلَّه كان معتاصا « 2 » على الماضين ، وممتنعا على كثير من المتقدمين ، وجرت في هذه المدّة من الحوادث الكبار ، والوقائع العظام [ والانقلابات العجيبة ] « 3 » ، والاتّفاقات الغريبة ، والحيل الدقيقة ، والأمور المحكمة الوثيقة ، التي لا يوجد مثلها سالفا . في أضعاف هذه السنين مضاعفا ، ما لو قيّد بتأليف الكتب ، وحفظ بتصنيف الأشعار فيه والخطب ، أو خلَّد على شرحه في تواريخ السنين والحقب ، لأوفى على ما سلف ، وتقدّم في علوّ الرتب . وقد أثبتّ من هذا أيضا طرفا طفيفا ، ونبذا موجزا [ 5 ب ] خفيفا ، لئلَّا تخرج هذه الأخبار عن سبيلها ، ولا تخلو مع ذلك من فنون لا توجد
--> « 1 » في ط : وسيره . « 2 » اعتاص الأمر : اشتد وامتنع والتاث . « 3 » الزيادة من ب .